الحكاية كلها بدأت كرغبة قديمة منذ زمن بعيد. لم أكمل حينها الـ ٢١ عاماً تماماً، كنت دائماً أصغر من في دفعتي أو فصلي والسبب راجع لكوني أُدخلت المدرسة الإبتدائية قبل أن أكمل عامي الخامس بحسب ما تقوله أمي الحبيبة.
طموحي كان إكمال دراستي العليا بعد تخرجي مباشرة، لكن الظروف اللاحقة التي واكبت تخرجي: العمل، زواجي، انجابي لطفليّ: عبدالعزيز وقصي، ثم عودتي للعمل مرة أخرى، حملي بـطفلي الثالث.. كلها كانت عوامل مؤثرة وكافية لإلهائي عن الدراسة أو التفكير فيها تماماً.
هذا العام ..
ألحت الفكرة على رأسي بشكل قوي ولأسباب مختلفة ( ربما قصة تقديمي للدراسة كانت مضحكة جداً في العائلة ) ولم أكن لآخذها بجدية لولا رؤيا أسبغت عليّ من فضل الله وبشارة جميلة ممن نحب أن يكون لنا شفيعاً يوم القيامة، رسولنا محمد صلوات الله وسلامه عليه، وللرؤيا بمشيئة الله تدوينة لاحقة.
علماً أني لست من أهل المنامات والرؤى.. وحين حكوتها لأخوتي، وضعت احتمالان في تفسيرها. وفي الحقيقة.. لم أكن أفكر في التفسير قدر رهبتي ورؤيتي لـ رسولنا الكريم عليه صلوات الله وأتمّ التسليم.
حدث أن هاتفتني أختي في إحدى الليالي التي اقتربت من نهاية شهر رمضان لتبلغني بأن التسجيل للماجستير قد بدأ منذ يوم تلك الليلة في جامعة أم القرى، ولم أهتم كثيراً.
لكني بعد نظرة خاطفة على شاشة الماكبوك قررت أن أفعل قائلة لنفسي: ( لِمَ لا ؟! ) وسجّلت وحُدد الموعد للاختبار التحريري يوم ٧/١٠/١٤٣٠هـ، وتشجّعت وتقدمت للاختبار.
كنّ ٢١ طالبة قد تقدمنّ للاختبار. شاهدت حالات إنسحاب منه بعد توزيع الأسئلة، الفترة الزمنية للاختبار كانت ٣ ساعات!
كانت الأسئلة سهلة يمكن لأي حديث تخرج الإجابة عليها بيسر، وسهلها الله عليّ رغم البعد الزمني على فترة تخرجي. الصدمة الحقة كانت في ترقب النتائج والأسماء التي ستتأهل للمقابلة الشخصية.
( تم حجب البرنامج المسائي لقسم العقيدة ) هذا ما ورد في موقع الجامعة، لم أنزعج. قلت لنفسي: لا بأس ربما يكتبها الله لي في وقت لاحق. ونسيت الموضوع تماماً.
لكن المفاجأة كانت حينما أتصلت والدتي على هاتف زوجي المحمول “لأن جوالي مغلق” وأبلغته بضرورة توجهي للجامعة في اليوم التالي لعقد المقابلة الشخصية مع رئيسة قسم العقيدة.
ألجمتني المفاجأة في الحقيقة.. شيء ما أنعقد داخلي من الفرحة، كان قد مرّ شهر وأكثر على يوم الاختبار التحريري وذهبت.. وكان يوم أربعاء، توجهت بكل ثقة إلى المقابلة.
مقابلتي كانت درامية في الحقيقة ( يعني خبّصتها مع رئيسة القسم ) إجاباتي كانت طفيفة جداً بحكم أني لم أكن مستعدة للمقابلة ! فرصة أقل من ٢٤ ساعة لمراجعة كم هائل من المعلومات التي درستها خلال أربع سنوات !! ليس عدلاً!
عموماً أنا دخلت المقابلة معتمدة على ما يمكنني استرجاعه من معلومات في حينه!
طبعاً معها كان لابد من إزالة حاجز الرهبة بيننا، الأسئلة كانت شخصية في البدء ثم أسئلة التخصص.. طبعاً قلت لكم ( خبّصتها معها ) بكل معنى الكلمة الحرفي. وبالتأكيد لمحت نظرة الاستياء على وجهها.
وبالعكس تماماً.. كانت مقابلتي مع الدكتور مختلفة تماماً، تنوع أسئلته وطرحه الذي تنوّع بين الأسئلة الشخصية إلى أسئلة التخصص إلى أسئلة الثقافة العامة وإلى اهتمامتي الأدبية أزيد على ذلك الحوار الممتع معه فيما يخص الواقع الإسلامي والإعلام المضاد أو الإسلامي “اهتمامي الشخصي جداً”. وبذلك فإنّ مقابلتي معه عادلت تماماً مقابلتي مع رئيسة القسم.
ولا شك تماماً أني وضعتهما في مفترق قبول ورفض !
الجميل في الموضوع أني بعد انتهاء المقابلة وبعد أن طلبت مني الدكتورة الخروج إلى غرفة السكرتارية وقفل باب غرفتها لمناقشة الدكتور في شأن مقابلتي، طلبت حضوري مرة أخرى كما طلبت رقم هاتفي الجوال لإبلاغي أن الدكتور سيرسل لها رواية أو كتاباً أدبياً توصله لي بدورها لقرآءته وتدوين أفكاره مع نقد ومناقشة كل فكرة دينياً !
هنا كانت الصدمة .. الطلب غريب ولا يدخل في نطاق المقابلات الشخصية بتاتاً. لكني رحبت به ولا أمانع.. وكنت مع الدكتورة على وعد بالعودة وفعل ما يلزم، حتى لو لم أُقبل للدراسة في القسم.
وبذلك عدت إلى دوامة انتظار نتائج المقبولات في الماجستير.. والحمدلله تمّ القبول، حيث كنّا ٧ طالبات قُبلن من أصل ٢١ طالبة.
والمفاجأة الجميلة أنّ هذا الدكتور يدرّسني إحدى مواد هذا الفصل، والأجمل إجابته للطالبات اللاتي سألنه عن مستوياتنا في المقابلة الشخصية وكيف كانت، ردّه منحني ثقة كبيرة بقدراتي حينما قال لهن: مستوياتكنّ متقاربة ما عدا واحدة منكن تتجاوزكنّ. طبعاً لم يفصح البتة بالاسم، ولكنّ زميلاتي وصلن إلى نتيجة مفادها أن هذه الطالبة هي “غادة” بسبب ما حصل في المقابلة ( حيث أن هذا الدكتور كان طرفاً مشتركاً في جميع مقابلات طالبات الماجستير )، جميلة هذه الثقة، وجميل كذلك رأي زميلاتي في شخصي.
وربما هي حركة ذكية من شيخنا الفاضل لتحفيزنا في طلب العلم، كما يقال، فدراسة العقيدة دراسة للفقه الأكبر.
المهم…
صحيح أنّ تدويناتي هنا قليلة، ولأنّي في هذه الفترة مشغولة بدراستي وعملي وبيتي أكثر من ذي قبل فإني أستميحكم عذراً عن هذا الغياب الذي سيمتد طوال فترة دراستي. طبعاً ذلك لا يمنع أنّى سآتي هنا وأحييكم من وقت لآخر أو أدوّن ما يستجد في خاطري من أفكار ومواضيع لتدوينات قادمة لكنها ستكون شحيحة إلى حد ما.
أخيراً دعواتكم مستجابة في ظهر الغيب… لا تنسوني.
كل الودّ،،،