( النّو ) ببساطة هي أحد أوّل أحلامي، روايتي الأولى التي بدأت فصولها قبل أن أتوقف لأسباب كثيرة تتضمن بعض الظروف السيئة التي عايشتها خلال السنتين الأخيرتين من حياتي . وهذه البداية، المقدمة التي لابد منها في كل رواية.. أحاول أن أشد بها عقولكم إلى قلمي.. ولغتي.
كنت أطلقت عليها أسمين، قبل أن أستقر على ” النّو “.. هما :
1- ندّ لنبض .
2- الحب في اللا جهة .
تم نشر هذه البداية كـ سلسلة في منتدى الشظايا الأدبية أولاً. اخيراً أترككم مع البداية غير المكتملة للرواية، والتي أضطررت لوضع هذه المقدمة للتوضيح فقط .
أوّل السرد:
قبل أن تكمل هنا تذكّر..
روحي التي جاست الحرف حرقاً حرقاً..
صلِ عليها صلاة فقد..
و رتّل على عمري وعينك الفاتحة.
الفصل الأول
أقول لك لا أسوء من حب يأتي هادراً و يُفقدك صوابك. لا أوجع من هذا الذي يأتي مُبعثراً وجودك إلى ما تبحث عنه للبقاء، للحياة .
هذا الذي سلبني مني بـ ورقة و ابتسامة. كتب و غاب: ” أُلجم نبضي لـ يكُفّ عنك و لا فائدة، تسمحين لي إن شئتِ ؟ ما دفئكِ؛ هذا الذي يُهطلُ الدمع في غيابكِ ؟ ما شوقكِ؛ حين لا يُطلّ على مسمعي صوتُكِ ؟ ما نبضي؛ حين تأتين حضوراً أو غياباً.. و أراكِ بكلّ عالمي؟
تدرين – و إن تجاوزتُ كثيراً – أنّ كل نبض و وجودكِ عالمي ! ”
أ- نبض هارب :
(حينما جاءت بيضاء القلب ثملة بالجرح النابت في رئة تتنفس الحب ذكرى و تُعلّقُ قنديلاً قزحياً حذراً على حبل يمتد من جدار البداية و ينتهي بنافذة الحنين الليلية ) .*1
أُحسّ و كأنّي لا أشعر جيداً.
و أنّني كما قال باموق: ” أعيش وسط ضوء بين زمنين مظلمين *2 “ . و أنّني كـ كل الأوجاع المثقوب رأسها بالأسى أمضي لا يستحلفني عقل و لا يستثنيني منطق !؟
أنتزع من الحياة خطاي.. و على حدّ العمر أملء وقتي.
لا أحد يدرك –مثلي الآن – أنّ ما حلّ بي داخل ضمن نطاق الأمور التي لا يمكن قبولها إلا بتجاوز الزمن، فضلاً عن رهن الليالي التي تحنو و تكيد و تقسو ثم تعود تحنو. لا أحد بالتأكيد أدرك !
ربما لأنني أفلحت بعد لأيٍ في تقمّص نفسي و تدارك (هي) التي هي: (أنا) فلم أعُد أسقطها بمرارة أكثر ؟!
ربما.. لأنني كنتُ أراود الوجع عن نفسه عَليَّ.. أو لأنّ الدمع صار يعرف كيف يصبح متجلّطاَ بأقسى و متخثّراً بأعمق َّ فلا أفلح في لفظه من حلقي و لا في ذرفه من عيني.
ربما.. لكل ما ذُكر، أجدني هنا مقتصرة على حكاية في ذهن غياب. أحكي بما لا يمنح السؤال أفواههم بعد هذا مجالاً لأحاديث عابرة من أناس -أراهم- لا منطق لهم !؟
و أُصدّقُ غَبَناً أنّ ثمّة ما لا يستدعي الرؤى على حبال الوقائع. و أنّ ثمّة ما يـُـقبضُ عليه رغم شفافيته للبعض و وضوحه للبعض الآخر. و أنّني بينهما أقف، على بُعد نظرة من كل ما كان. أقربُ مما كنت و أبعدُ مما أصبحت، رغم أنّي ما عدت أجد الأشياء كما كانت.
حتماً ليس في وحدتي و لا في تخمة الغير بوقتي.. و لا في ارتياد زرقة – أَحَبُّ وأَهْدأُ – الأمكنة. و ربما.. لأنني رغم كل ما لم يُقال بعد أحكي على انتقاص الحرف من رأسي.. و حيث لا سقف يتدلى منه كَرْمُ الذاكرة المعتاد!
فقبل عمر تعلّقت عيون كلّي صوب الرحيل. تحديداً.. بعد عصف الأشياء بوجهي.
كانت الذاكرة كحياتي تماماً..
كل شيء فيها مفتوح على مصراعيه للآخرين، الذين هُم نفسهم يسألونني الآن عن سر النتوء الخارج منها إلى قلبي..
عادةُ مثلهم لا يكتفي بقول أو إشارة.. لا يستسيغوا إجابة دون تفصيل، و لولا ذاك لـ صمتوا و ما عادوا لإذلالي بـ لمَ و لأجل ماذا و علامَ.. و ما استكثروا عليَّ قليل من الصدق في الألم ؟!
غيرهم لأكتفى بقولي “إنه أنا، و لولا انكماش الجرح لـ كان أكبر”. لذا فـ إنني أحكي أكثر و أكثر. و في كل مرة أجدُ أطراف الحكايا مبتورة بتفاصيل ناقصة، فأعود أكتبها من جديد لأجد أيضاً أن هناك أمور جدّ صغيرة ربما لولاها لسار كل شيء على ما يرام.
شيء مثل.. خرافة تعتقد بها صديقتي و أنا لا. حكايا لا تمرّ دون أن تطرق أسئلة في فكرها. نظرة لم تكن لتنتبه لها.. و أشياء عديدة لم أكن لألقي في حياتي –قبلها- بالاً لها.
باختصار..
ما أقصده هو.. أنه (كان) تاريخ ذاك الذي أقلّنا صوب النهاية أو البداية لا فرق، فسيّان بينهما. كل ما حصل تسارع إلى شيء لم يكن تفاديه ممكناً.
كان أقرب إلى خدعة تتسامق بازدياد حين أُذَكّرُ لحظة كنّت فيها في حميمية حب.. أو فـ لأقل بأقرب لفظ تحتمله علاقة: حميمية “صداقة” !؟
و رغم أنّ ما حصل لم يتعدى اللحظة، أشبه بحاجة توارت إلى الوراء حياءاً. لا منهم بل لأنّ الأشياء التي تجيئنا دون سابق معرفة نخافها و كأنها الموت.
كما أنّني لا أظنّ الأمور تبدأ هكذا و نحن ننتظرها أو نخطط لها أو و نحن نحكي عنها، و بالتأكيد ليس كما يشاع تبدأ بنظرة فابتسامة فـ سلسلة من مشاريع تبحث عن حلول مستعجلة. و إنما أظنها تبدأ مع تحديد المواعيد الأولى في انتظار أن يفعلها القدر.
ب- كرة دم حمراء :
العمر قدرة على سماع الحبّ جيداً. و في مكان كـ قلبه يمكنني حتى سماع وقع القلق في أصابعه.
كنت أشكو الرتابة حين كنتُ فيه.. كان في غضب دائم يجعلني في فورة و غليان دائمين. ظللت أتشكّى لأخوتي اللاتي كنّ يقلن إنّه الله الذي لا بدّ و أنّه يعاقبنا على تذمرنا من الضيق الذي يحتوينا و تكاسلنا في أداء أعمالنا.
أما أنا فـ كنت أقول لهنّ أنّني أدعوه أن يأخذني إلى متّسع يمنحني الجنون من الفرح.. و كان ذلك !
لا أريد أن أبدو في أول لقاء معكم بمظهر الثرثار، غير أنه يلزمني الشرح.
صاحبي السابق – كما أخبرتكم – كان يفوّرني دوماً لغضبه من أمر ما.. و هذا الأمر الـ “ما” لا تحديد له عنده.. فهو غاضب من كل شيء و أي شيء.
يعني .. عصبي ، لكنّ هذا – صاحبي الحالي – منذ استدعوني لإنقاذه، أمرَضَني.
في البدء كنت أسبح بسلام حين امتصني جدار ما، تدحرجت فيه بـ خَرَقٍ، و رغم الخوف كنت سعيدة، رأيتُ لأول مرة -منذ خُلقت- أشياءً غير التي اعتدتها و ألوان غير التي كنت أراها في مروري على أصدقائي. رأيتُ ألواناً حقيقية غير تلك الباهتة اللي حفظتها.. و وجوه لا تشبه وجوه أخوتي الحمراء.
انسلت في أنبوب شفاف، تدافعت فيه أسوة بالقوة التي سحبتني أنا و بعض ممن كنّ معي في ذات المكان. كأن مغنطيساً جذبنا !
سأقول الحق.. في ذاك الأنبوب شعرت بشيء مختلف.. فكرت كما لو أن الحياة قطعة سكر تذوب و تنتهي. بصراحة.. شعرت أني لاشيء، كنت دافئة و في لحظات تجمّدت حتى نمت نعاساً.
أظنني مكثت نائمة أياماً أو قروناً.. لا أدري. كنت نائمة وساكنة بحيث لم أعرف إن مر يوم أم لا.. أو إن كنت ميتة أساساً ثم أحياني الله.. !؟
أذكر أنني انتقلت من سكوني إلى حالة الحركة المعتادة فجأة.. كان الأمر مربكاً.. أحسست بالدفء قليلاً ثم تخبطنا أنا و بقية الكريات ببعضنا كمّن مسّه جانّ.
في صحوي ذاك.. رأيت عفاريتاً خضر.. أحدهم حملنا -و أنا في شبه إغماء- ثم انجرفت إلى الأسفل.. ميّزت وجهاً أثناء حركتي ليس بأخضر.. كان هادئاً برقة. شاهدت أيضاً.. بعض كريات الدم الخائفات ملتصقات في أماكن متناثرة على جسده و ملايسه.. حتى بدأ الاندفاع إلى الأسفل يشتد.. و تبينت وجهتي.. لذا.. مؤجل فضولي حتى استجمع قوتي لاستفسر عن سبب تناثرهم على جلده حين تسنح فرصة ؟
جـ – ساعي مطر :
(أريد قلباً مزقه النفي، لأحكي له وجع الاشتهاء *3) !
الخامسة إلا حزناً من تأملي. أحمّل المكان عبء صحوي المفاجيء..
أظنني في ربكة الاكتشاف أنّ لا مسافة بين نحري و السماء.. و لا التقاء بين مدى النظر و البحر.. و أنّ لا شيء مما فعلته قد يغير صمتي !
كنت أعمى حب حين جربت نبضاً لم يكن لي، و تأذيت. أيقنت من بعدها أني لم أعد أشبه أحلامي..
أجزم أني صرت أشبه أشياء لم ألتقيها أبداً.. و لم تلتقيني..
و قطعاً.. لم أعد أشبه قلبي.
كيف سأخبركم عنها تلك التي كانت ؟
هي، حين أذكُرُها يخبطني السؤال الأكثر دهشة: أيُّ جزء منها كان قلبي ؟
هي.. التي كانت حُلُماً – أو أوّله – واقفة على الطرف الآخر من الانتظار.. تُمسكُ زهرةً.. وببطء.. تقطع ورقة.. وجهها أبيض و تلبس سواد.
و يصبح العالم أسوداً.. و تظل بقعة نبض مضيئة آتيها دوماً مذنب حب و كل جهة في القلب تضيء بها !
ليس كـ حبّ يعلق الصدر.. يغرس بذرة ربيعية على غفلة لـ تؤول – في لحظة – إلى جنّة.
صدّقوني ؟! أنا اشتهيت في حضورها الحياة .
الآن -بعدها- أؤمن أنّ لا شيء اسمه محض صدفة. كل الصدف تأتي مسبوقة بـ قدر.. و لأجل ذلك تمنّعت عن ارتكاب أفعال المصادفات .
موعدنا كان على رقة الحبّ.. رفرفة طير.. و هدوء أخضر. ذلك المكان أشبه بقلب يحكم على الدفق بشدّة. أشرت لها لأول مرة “هنا” و قالت: نعم هنا ! حينما أمسكت بالحب لأول دمعة .
كنا خمسة في ابتداع حلم حب مع القلب الذي يرجف أحياناً ببكاء.
أنا و هي..
ثم أنا و ظلّي..
و لحن يخترق أحزان الوقت المتسلّق عمرنا.
التقينا قبل الآن مرتين في أمانٍ بسيطة -لكنها- كانت على فوهة قدر شاء أن يثور و سكننا.
سمعتُ أَحَدَنا يقول و أنا أنحدر من كل العقل إلى لا انتهاء الجنون:
- أَمَا زلتَ تؤمنُ بالدهشة الأولى قبل الانكسار ؟
و أنا أردتُ دوماً أن أكونَ كائن حب.. و لذا كنت أتمتم بـ” لعلني أقرب ” !
لـ يُقالُ الأمورُ لا تأتي كما نتصور.. بل كما يوّدُ هذا العمر..
و لـ يُقالُ إذا مرّت الحكاية عيون الحالمين و هزّتهم أنّنا كنّا.. و كان الحب دهشة و استبداد.. و الواقع حلم و مضى..
و أنّنا -خمستنا- بملء العالم و السمع: امتزاج العَتَم بالنور، بالبدء في خلق الأحياء، في التكوين و بدء الأسفار. و أنّنا بعد أعمق حب شوق أصاب لعنة و قتلها.
في البدء كنا و الحب.. نبضة !
كنا خمسة، أنا و هي ثم أنا و قلبها مع الوقت الساكن حولنا كتأمل، كالليل الذي يسحب أيدينا ليبحث عن دمعات سقطن من وجه سحابة.. و أسمع صوت ما في أذني يردد:
- أما زلتَ تؤمن ؟
كنت أثق بقوّة أنّ النبض لا يحمل ملامح شخصين و مشاعر اثنين. أن يأتي قدراً رغم وجوده المسبق.
لم أعرف أبداً كيف يأتي دهشة في حضور حب آخر، فمذ قابلتها و أنا تفقدني الحروف، أُضيّع الكلام المملوء به فمي.. و أنطق ماءاً.
حتّى هي قلبها الذي جاء بما يفوق فرحي أو خساراتي، جاءت و أنا أُلملم شتات الحروف أعيدها، أضمّها إلى صدري في وقت لا يسمح أبداً أن نكون معاً نبضه .
ومُذ غادرتني تلك الأخرى و أنا ببطء أفقدني كذلك .
هي الأولى في كل شيء حضوراً و كريمة في الوفاء، السابقة لكل فعل، مرتكبة الجنون الأوّل لمعادلة عمرية تقول أنّ : س + ص = علامة استفهام ومجموعة لا منتمية .
_______________________________
*1 ابراهيم الوافي .
*2 أورهان باموق، رواية اسمي أحمر .
*3 جلال الدين بن الرومي .