Protected:
Enter your password to view comments.
مأهولة أنا..
كما لو أنّي ملكتُ الأنجُم والأكوان والسماء..
كما لو علقتُ في الزمان..
( معك ) ببقاء !
كما لو أنّك مُزعت من صفحة روحي..
وكنت ( أنا ) !
لذا حين أقول لك:
( أحبّك حقاً ! )
فإنّي حتى ينقضي بنا الزمان..
أحبّك.. أكثر !!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* العنوان, ترجمة من التركية: أنا أحبّك.
ببطء نزولاً.. وقلبي يقرع مدوّياً في أذني، أسمعه وكأني أسمع ضجيجاً مخيفاً.
أهبط.. وأنا لا أستوعب بشكل كامل أنّ كل ما يحدث هو لي.. لي وحدي أنا.
كنت أبكي بلا دمعٍ..
قبلها بـ شهر -ويومياً- كنت أبيت في غرفتي رغم أن التكييف معطّل ولسبب ما لم نتمكن من إصلاحه أو استبداله.. ومكة حرّها لاهب.. لاهب جداً حتى في الليل.
لـ ليال عديدة رغم دعوات أمّي للمبيت في غرفتها وأخوتي في غرفتهن.. أمتنع لأنّ السكينة التي أجدها في ملاذي، كهفي، لا تتوفر لديهن..
بينما تلك الليلة..
أدركت أنّي أغادر عالمي كلّياً.
قلبي موجوع، وأبحث بين أعين الحضور عن عين عرفت “الحزن” في عيني .. حزن سكن قلبي منذ الأزل رغم الأمل .
إدراكي أنّي في منطقة اللا شعور حينها.. ساعدني على تجاوز الحزن بابتسامة لأجل العائلة .
لكنّ حزناً ما أعمق راودني للمرّة الثانية، إحساس قديم.. لو أنّك هنا يا أبتي.. لـ كنت تمسح على رأسي وتدعو لي.. وربما تدمع عيناك لأنّني أخرج من كنفك إلى كنف رجل آخر .
هل حكيت لك عن يوم رحيلك.. ماذا حصل ..؟
اليوم الذي طرقت خطواتي فيه المشفى؟
كيف أصف لك ذاك اليوم يا أبتي.. قالوا: متّ.. بسكتة دماغية.
لكن السماء كانت شديدة الزرقة يومها.. ولون الحديقة أخضر “جداً” كما ينبغي، وكنت لأظن أن كل المؤشرات كانت لتشير إْلى شيء أفضل.. لولا قدر الله.
قال الطبيب لنا أنك متّ وصحبنا إليك، بلا روحك، وتوقف كل شيء حينها حولي.. أضع يدي عليك، ولا تمسكها، ما عدت أسمع سوى نحيبهم، و.. سامحنا يا بابا!!
عينانا أنا ونهى متسعتان بما يكفي لعدم الاستيعاب: بابا مات !!!
عُدت من الممر ولا أعي ما الذي حصل.. أمشي ببطء وعيني ذاهلة.. أسمع نحيبهم .. أرى دموعهم.. ولم أشكّ لوهلة أنّ الرحيل إقتلع جذوري حينها.
لحظة يا أبتي فقط.. حين أدركت حقيقة “موتك” لأنظر إلى السماء علّي -كطفلة- أرى روحك تعرج إلى ما فوق السماوات.. ولم أرى.. لكنّي عرفت أن الفراق محتّم علينا منذها .
وبكيت .. صوتي علا شيئاً فشيئأ.. زوجة عمي تحتضنني.. وأطلب منها أن تدعني.. كنت أريد أن أهرب إليك.. ولم أعرف كيف..
أخوتي تحلّقوا حول أمّي وشرعوا في نحيب صامت..
ومتّ معك حينها .
اللحظات التي تلت ذلك والتي شرع فيها أعمامي في استخراج تصريح الدفن وإبلاغ السفارة.. وتلك الأمور الأخرى..
أمّي التي تنتظر أخوتها ليقفوا معها في مصيبتها..
العزاء الذي بدأ في دولتين بعيدتين جداً عن بعضهما بفارق التوقيت الكبير وفارق زمن السفر..
أخي الذي أحضر لي كل أعداد مجلة “ماجد” التي فوجيء بوجودها هناك.. وأحضرها لأجلي..
ليلتك الأولى ميّتاً.. في منزل عمّي بعد احضار جثمانك من المشفى ريثما تنتهي الاجراءات في العاصمة..
عمّي الصارم.. كبير العائلة بعد موت أبيه.. والدمع الذي يسيل بلا توقف في محاولة للسيطرة على نفسه، جاء بالرجال وجلسوا قريباً منك في الصالة حتى لا تبقى وحيداً..
أنا التي ترددت كثيراً حينها وحدي على الغرفة التي سُجّيت فيها.. أتأملك بصمت..
ثم يلحقني أحدهم بهدوء ويمسك بيدي.. يقول لي: تعالي نقرأ “يس”. وأفعل ويفعل ذلك معي.. ننتهي وأظل صامتة أراك ولا أطرف بعيني.. فيقول: أرفعي يدك ندعو لأبيك. وأفعل.. ويدعو وأدعو معه.. ولم أعرف من الدعاء حينها يا أبتِ سوى: يارب أرحم أبي.
وأخرج من الغرفة.. لأعود إليها بعد فترة.. وعلى نفس التواتر والمنوال ..
شرع الصباح يا أبي والبيت كلّه ساهر..
أعمامي الكثر.. تجمّعوا استعداداً للنهاية..
أعمامك يا أبي الذين ماثلوك في العمر كذلك تجمّعوا..
عمّي القويّ .. أخوك الحبيب .. أنهار تماماً لمّا شرعوا في غسلك ..
رائحة السدر التي غطت المكان..
كفنك الأبيض.. وجسدك المسجّى بعد الغسل في انتظار الرؤية الأخيرة والسلام الأخير عليك..
كل ما حصل ..
كل ما حصل ..
وأنا أتسائل.. أينها أمّي ؟!
حين جاءت للسلام عليك يا أبتي.. كانت صامدة كما تعرفها وكما أحببتها..
أخوتي البنات.. بكوا كثيراً كثيراً.. قبلوا وجهك .. وسألوك السماح.. إحداهن يا أبتي نهرتني لأنّي لم أقل لك: سامحني. كيف أفعل وأنا أبحث عن إشارة منك تقول أنك ستفتح لي عينك وتبسم وتقبّلني.
ثم حملوك..
حملوك على أكتافهم.. بمهابة نعش ودعاء الرجال..
وخلق يا أبتي تبعوك إلى مثواك..
لحقناك يومها.. أمرنا عمّي بالصعود إلى السيارة لنتوجه إلى مكان قريب من قبرك..
خرجت من ذلك المنزل حيث وصلنا.. وسمعت ما قالوه.. خطبة ما قيلت يومها ولا أعرف ممن.
وقفتُ تماماً كباقي الواقفين حولك.. كآخر مرة أراك فيها.. وقفت قريباً من القبر وهم يضعوك فيه وأراك…
تنبه لوجودي خالي.. أمسك بيدي وأبعدني فلا يجوز لطفلة مثلي أن تشهد حدثاً عظيماً كهذا.. لكن رقبتي كانت تلتف إليك وكنت حتى آخر حفنة تراب.. قِبلتي.
حتى حثوا التراب عليك وأنتهى الأمر.. كأنك لم تكن.. وكأنهم طابت لهم الحياة بعدك.. وكأنّ لا حدث.. مرّ.
لكنهم جلسوا قليلاً معك ريثما تعتاد وحشة المكان.. كان أحدهم يذكرك بالشهادة.. وبدينك.. وبكلام آخر لم أعرفه ريثما تستعيد ثباتك.. وريثما يثبت الله على قلبك بالحق..
وَتعلم؟.. أنا جلست معهم حتى لا تقول لم تودّعني إحدى بناتي..
أنا كنت هناك.. ولا أعرف كيف وصلتُ.. ولكن ساقتني قدمي إليك.. وفضولي.
لو أنّك هنا..
لكنت أخذت بأيدينا..
سنوات كثيرة مرت.. بالأحرى.. عقدين من الزمن مرا..
ورسائل كثيرة مررنها إليك جميعاً.. من السماء.
كبرنا كثيراً يا أبتي..
كبرنا عميقاً..
ولم تكن عينك هنا لترعانا وترى.. كم صار عدد أحفادك..
من منهم يشبهك..
لم تسمع من أحدهم “جدي” ..
ولم يروك.
ولم ترى.. كيف صنعت امرأتك بعدك مجدها.. وقوتها.. وغيابها فينا..
كما تحبّ تماماً.. صنعت منّا أشخاصاً.. كباراً.. بطموحات.. بهمم لا تكتفي إلا بالمجد .
بكرك يا أبتي..
لو تراها الآن.. ستفخر جداً بها، ستعرف مدى عزيمتها ونجاحها.. بلمحة عين..
وتلك التي توسمت فيها الذكاء..
كما توقعتَ.. صنعت نجاحها هي الأخرى.. بجهد.. أهدتك رسالتيها.. كما فعلتْ بكرك.
أما نحن.. صغارك الثلاثة حين اختارك الله للرحيل..
كبرنا.. تغيرت ملامحنا عمّا تعرفه ..
أخي .. نبت له شارب.. ولا زال أقصر منك بقليل.. وبحاجة لأن يكتنزه اللحم قليلاً..
ستحبه كثيراً يا أبتي رغم عثراته الكثيرة في البداية.. ستحبه الآن بلا شك ورغم أنكما قد تتعارضان في بعض الأمور.
أنا.. ولا أعرف كيف سأخبرك عني..
كيف سأقول لك أنّي حنثت بقولي سأصبح طبيبة أطفال لأنني خفت.. كما لم أصبح رسامة كما كنت أخطط لي..
لكني يا أبتي.. سرت على مُثُلِك كما أظن ..
ربما لم أصنع خياراتي جيداً.. لأنك لست هنا.. لكني بحقّ فخورة بكل ما أنجزته حتى الآن وآمل أنّك كذلك..
ولا زلت حين أنام يا أبتي أتكور على نفسي كما كنت أفعل في حضنك.. ولا زلت حين يلعب أحدهم بشعري أنام.. كما كنت تفعل بي..
ولا زلت.. أردد لـ عزوز، حفيدك وبكري: ألف بائك.. يا أبتي.
أما نهى..
نهى الأقل حظاً منا جميعاً معك.. والأوفر حظاً منّا لديك كـ آخر العنقود..
قاست كثيراً.. لكنّي كنت قربها ولا زلت.. أحبّها كثيراً، حتى أنها تقول لغيري ويصلني حديثها: أخاف أزعل غادة. وتحبني سكوتاً.
ستحبها كثيراً يا أبتي..
وستحبنا كذلك.. لأنك صنعت من نهايتك رغم التعب والحزن وغيابك والألم بداية لنا .
p.s
شكراً من هنا.. وبحجم كل الكون لأنّك عرفت قبلي بسنواتٍ أنّني سأمضي إلى كنف زوج محبٍ.. ثمّ لم تبخل علي وبشّرتني.
لم أفعل من قبل.. لكنّي أكيدة من أنّ البعث بيننا.. قريب بمشيئة الله، مهما طال.
موضوع سابق :
مدّوا أكفّكم وخذوا ضوئي