المثل الأعلى
قال الله عزّ وجلّ في محكم قرآنه: { وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ … } الآيات [ الرّوم : 27 ـ 32 ] ؛
فالمثل الأعلى ينتظم جميع معاني الكمال المطلق التي يستحيل معها الاتصاف بالنقص أو وجود المِثل ، ويستلزم إفراد الرب وحده بجميع العبادات الظاهرة والباطنة ، ولهذا فسره علماء السلف بالصفة العليا ، أو بانتفاء المثل ، وفسروه أيضاً بكلمة التوحيد، أو بما يدل عليها من البراهين ، أو بما تدل عليه من الإخلاص ومعاني الإيمان !
وللتفرد بالمثل الأعلى أهمية بالغة في معرفة الرب وعبادته ؛ فهو الأساس في معرفة ما ينفي عن الرب ويجب له من الصفات ، وهو البرهان الجامع لصور الأدلة على استحقاق الله وحده للعبادة !
يقول ابن القيم ” المثل الأعلى .. هو الكمال المطلق ، المتضمن للأمور الوجودية ، والمعاني الثبوتية ، التي كلما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان أعلى من غيره ؛ ولما كان الرب تعالى هو الأعلى ، ووجهه الأعلى ، وكلامه الأعلى ، وسمعه الأعلى ، وبصره وسائر صفاته عليا كان له المثل الأعلى ، وكان أحق به من كل ما سواه ، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى اثنان ؛ لأنهما إن تكافآ لم يكن أحدهما أعلى من الآخر ، وإن لم يتكافآ فالموصوف بالمثل الأعلى أحدهما وحده ، يستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير ، وهذا برهان قاطع من إثبات صفات الكمال على استحالة التمثيل والتشبيه ”
ويقول كذلك – رحمه الله – : (( المثل الأعلى يتضمن الصفة العليا ، وعلم العالمين بها ، ووجودها العلمي ، والخبر عنها وذكرها ، وعبادة الرب سبحانه بواسطة العلم والمعرفة القائمة بقلوب عابديه وذاكريه ))
يقول الإمام الدارمي – رحمه الله – : (( قولنا ليس كمثله شيء ؛ أنه أعظم الأشياء ، وخالق الأشياء ، وأحسن الأشياء ، نور السموات والأرض . وقول الجهمية : ليس كمثله شيء يعنون : أنه لا شيء ))
اختلاف عبارات السلف في هذا المقام اختلاف تنوع ؛ فمن نظر منهم لحقيقة المثل الأعلى فسره بالصفة العليا التي يستحيل معها وجود المثل ، أو بانتفاء المثل المستلزم للتفرد بصفات الكمال المطلق ، ومن نظر لأثر المثل الأعلى ومقتضاه فسره بالتوحيد ، وما يكون في قلوب المؤمنين من حقائق الإيمان ومعاني التوحيد .
- مختصر المبحث الأول في حقيقة المثل الأعلى، دراسة عقدية لمعنى المثل الأعلى ومدلولاته لـ د.عيسى السعدي