
كانت الحمى هي من أسقطني ذلك اليوم.
آخر أيام أجازة الحج حين أجبرت نفسي في اليوم التالي على الذهاب إلى عملي رغم تجاوز درجة حرارتي 39 ونصف مئوية. شيء بداخلي كان يقول لي برأفة – والأولى أن أقول بكثير من الأمل – أنّ مرضي هذا ختام منصف لعام أجّلت فيه حياتي وبكائي وكل ما سبق من أحداثه عاما كاملا لما بعد حلّ ورطتي الأخيرة.
المشكلة أنّي أقول “ورطة” واللفظ مخفّف مقارنة بما كان يحصل – ولا زال – ؛ الحقّ أنّها كانت مصيبة لا يمكن تجاوزها إلا بكثير من الإيمان واليقين، الثّبات والشجاعة.
وإيماني حينها لم يكن كافٍ لأجلي فقط.. فكيف بكوني كتف يستند عليها من حولي؟!
ما حلّ بي كان يمكن اختصاره بكونه مصاب جلل..
لولا أنّه سلسة أحداث مرّت وتركت عمقاً في قلب موجّع بالأذى! ترى كيف يمكن لي اختصار تعب عام كامل مسّ كل جهاتي وليس القلب فقط لأحكيه لك؟!
يوم مرضي كان يوم “جمعة” من الشهر الماضي..
وربما شاء قدري أن يكون يوم جمعة ليتناسب مع عام الجُمَع.. عام الثورات.. عام الربيع العربي.. الذي لم يكن ربيع لي بكل تأكيد!
مرضي كان ثورة خُطفت فيها عيني للحظة لمّا رأيت أمراً غريباً.. !
رأيت أنّي أسحب من فمي ثعبان عظيم وطويل لونه أبيض مشوب بشيء من الصفرة.. وكنت قد سحبت جلّه ومعظمه.. ولم يتبقى منه بداخلي سوى القليل.
ثمّ فتحت عيني فزعة!
متأكدة أنّي كنت بكامل وعيي وأنّ عيني لم تكن ناعسة لمّا أطبقت جفني عليها لأريحها قليلاً.. حين رأيت هذا في اغماضة عين ما لبثت أن فتحتها سريعاً وبغرابة وبخوف!!
Pain is just weakness leaving the body.*
كانت ضعفي.. الذي غادر قلبي بألم!
وكنت كواقف ينظر عمره يمضي ببلاهة، ولا يتمكن من التشبّث به لشدة ما يمضي سريعاً.
أتداعى من الداخل كجبل ينهار ويستوي بالأرض، كأن لم يكن..
كنت أتداعى لأموت..
شيء بداخلي كان قد مات لأجل ذلك.. مات واحداً تلو الآخر بلا توقف..
شيء أُنتزع مني دون رأفة.. دون التفاتة رحمة حتى وخذلني!
شيء اقتطعني من حياتي وأعاد تشكيلي بدكتاتورية وتسلّط كما لا يجب.
فقدت من ضمن كل ذلك حسّي الداخلي، ليس أنّي فقدت اتجاهي وبوصلتي.. لكنّي بالفعل فقدّت هذا الحسّ.. حين تساوى كل شيء بداخلي فلم أعد أُحسّ بتلك الأمور التي تحصل بين الأشخاص بقصد أو تلقائية.. المتع الصغيرة بين الأصحاب.. الحبّ.. الثقة.. الصداقة.. الخ..
كل هذا ماتت دهشته هناك عميقاً.
كل يوم مرّ في هذا العام ازدادت معه قائمة مفقوداتي الداخلية.. والروحية – مُتعي في الحياة – اتّسعت وتضخمت.
كنت أفكّر كيف سأقول لمن حولي أنّي لا أراني.. ولا أسمعني.. ولا أشعر بي.
ليس الأمر كأنّي أحمل ثغرة في صدري تصفقها الريح بعطب؟!
لا!!
الأمر – بالمعنى الحرفيّ، الحقيقيّ – كان انتزاعاً، اقتلاعاً، وموت بلا موت حقيقي!
أتسائل كيف لم أفقد عقلي حتى اللحظة؟
كيف لم أُصب بأنهيار عصبي؟
كيف لم أكتئب؟ هل حدث ولم أنتبه لذلك؟؟
كيف يحصل أنّي لا أتمكن من البكاء منذها؟
كيف لم أصبّ بسكتة قلبية، دماغية وأني لا زلتُ على قيد الألم.. والصدمة؟
كيف يحصل أنّي مع كل هذا أمضي أتشبّث بالقسوة وداخلي منهار كبيت خرب؟!
كيف واتتني القوة لأمضي يصاحبني كل هذا العطب والخراب العميق؟
كل هذه الأسئلة تقرعني بإلحاح ولا أجد عليها إجابة .. ولا أدري كيف أجلبها!
لا أعرف.. وكأني أفتح شبابيك روحي لأنفض عنّ قلبي كلّ شيء!
أجبر نفسي على تجاوز المنعطفات وعدم الالتفات كثيرا إلى ما حدث..
أحاول تجاوزها واحدة واحدة.
عامي كان ثورياً..
كان انقلاب الدنيا عليّ!
ربما لأجل ذلك.. أحسّ برغبة عميقة في فعل شيء عميق..
في اختزال حياتي وعمري.. لحفظها على الورق..
أكتب سيرتي الذاتية “السيئة والجيدة”.. وأصنع هذا العمر الافتراضي لي كـ أنا الحقيقية.. لأنّ الحياة تمرّ سريعاً ولا أتمكن من التشبث بها!
ولأنّي من بعده -عام خيباتي- كفرت بالحبّ وبالناس وبالثقة..
وآمنت يقيناً.. بالله.
وكما قلت مرة: خلعت من قلبي ما ظننته قائماً بروحي وحياتي؛ استرددت ما كان لي وخلعته للريح تذروها بلا ندم.
ومع ذلك..
فقلبي لا زال يتوجّع!
مرضي.. ختام لطيف لعام المنعطفات الحادّة في الثّقة واليقينيات.
بينما أمرّ وأتجاوز كل هذا.. ولا أفكر فيه كثيرا حتى لا تصعد روحي عنّي بخيبة أعمق!
ولذا.. تنهيدة..
تنهيدة للثقة.. للصداقة..
للحبّ.. للحياة.. وللتعب.
تنهيدة..
فقط تنهيدة مجنونة!
7 ديسمبر 2011 *
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* إيميل لإحدى الصديقات.